كيف أعادت أزمة شرائح نكسبيريا زعزعة سلاسل توريد السيارات من جديد؟
- اسماعيل الكركي
- 24 نوفمبر 2025
- 3 دقيقة قراءة

ما الذي حدث؟
تقوم نكسبيريا بتصنيع شرائح بسيطة يُستخدم بعضها في أنظمة الفرامل، النوافذ الكهربائية، وغيرها من التطبيقات في السيارات.
الحكومة الهولندية استحوذت على مقرّ الشركة في هولندا في نهاية سبتمبر، بحجّة أن تكنولوجيا الشركة قد تُنقل إلى الشركة الصينية الأم
ردّت الصين بتعليق صادرات الشرائح المعبّأة من المصنع الصيني إلى الخارج، ما أدى إلى توقف أو تخفيض إنتاج في شركات مثل بوش وهوندا.
المشكلة لم تكن في شرائح “متطورة” فحسب، بل شرائح منخفضة التكلفة نسبيّاً والتي لم يتوقّع أحدُ أن تصبح أداة للضغط الجيوسياسي.
لماذا هي أزمة؟
اعتماد غير متنوّع (الاعتماد على مصدر أو مورد واحد)
صناعة السيارات اعتمدت مبدأ “فقط-في-الوقت” (just-in-time) لتقليل المخزون وتكاليف التخزين، لكن تلك الاستراتيجية تجعلها عرضة لأي تعطّل مفاجئ، ما يعكس أن الأمر لم يكن يُعطى أولوية كبرىمن حيث تنويع الموردين أو تخزين احتياطي.
الجغرافيا والجيوسياسة
أزمة نكسبيريا تُظهر أن الصين لم تعد تهيمن فقط على الشرائح الأكثر تطوّراً، بل على المكونات «البسيطة»
وبالتالي، فإن الاعتماد على الصين وحدها للأجزاء السيّارة يمثل نقطة ضعف استراتيجيّة للغرب.
التعقيد التقني واللوجستي
حتى لو أراد أحدهم استبدال شريحة، فإنها قد تكون مدمجة في النظام مباشرة (soldered) ما يجعل الاستبدال أو التأهيل بديلاً يحتاج وقتاً ومجهوداً وقد صرّحت شركة مثل Hella بأنها قد تستغرق حتى سنة لتأهيل مورد بديل.
تداعيات على صناعة السيارات
خفض إنتاج: على سبيل المثال، نيسان اضطرت لتخفيض إنتاج سيّاراتها من طراز "روج" بسبب هذه الأزمة.
تكاليف أعلى: إدخال تعديلات على سلاسل التوريد، تخزين إضافي، تنويع الموردين، كلها أمور ترفع التكاليف التشغيلية.
إعادة التفكير في المخازن: شركات مثل تويوتا سبق وأن بدأت بخطة لتخزين شرائح لعدة أشهر بعد زلزال اليابان 2011، وقد تكون في وضع أفضل لأن لديها بالفعل ما يمكن تسميته مخزون أمان
تغيّر في ديناميكيات القوة العالمية: الصين تُبرز أنها تملك أدوات ضغط ليس فقط في التكنولوجيا المتقدمة أو المواد الخام، بل أيضاً في “المكونات العادية”.
ما الذي تستطيع الشركات فعله؟
تنويع الموردين: لا يمكن الاعتماد على مورد وحيد أو على منطقة جغرافية واحدة.
تقييم المخاطر الجيوسياسية: لا يكفي التركيز على الكفاءة فقط، بل يجب التفكير في الأزمات، الحظر، والعلاقات الدولية.
موازنة بين الكفاءة والقدرة على الصمود: النظام “just-in-time” فعّال لكن يعاني وقت الأزمات. الشركات قد تحتاج إلى إجراء “just-in-case” أو تخزين احتياطي.
ايجاد البديل يستغرق وقتاً: حتى إذا وُجد مورد بديل، فإن التجربة، التوافق، والموافقة التنظيمية غالباً ما تأخذ شهوراً. بذلك يجب البدء مبكراً.
التغيّرات التقنية البسيطة قد تسبّب مشاكل كبيرة: ليس كل التهديدات تأتي من “الشرائح المتطورة” فقط، بل حتى من تلك “البسيطة” التي تُستخدم على نطاق واسع.
ما الذي يمكن ان تفعله مصانع انتاج السيارات
إقامة شبكة متعددة من الموردين في مناطق مختلفة جغرافياً — ليس فقط الصين وآسيا، بل ربما أوروبا، أمريكا، أو حتى الشرق الأوسط.
تقييم “نقطة الاختناق” (single point of failure) في سلاسل التوريد: ما هي القطع أو المكونات التي لو تعطّلت فإنها توقف خطوط الإنتاج؟
تبني استراتيجية تخزين ذكية: تخزين بعض المكونات الحيوية لعدة أشهر يمكن أن يوفر جسر وقتي عند حدوث أزمة.
التعاون مع الموردين للتأكد من سيولة العملات، الوثائق، والمصادقات المطلوبة — لأن جزءاً من الأزمة كان بسبب أن المصنع في الصين لم يستطع التعامل بالدولار بسهولة وطلب الدفع بـ العملة الصينية "اليوان"
تحديث خطط استمرارية الأعمال (Business Continuity Plans): ليس فقط بحالة زلزال أو فيضان، بل بحالة جيوسياسية أو تجارية تؤثر على التصدير/الاستيراد.
ما الذي يُمكن أن يحدث مستقبلاً؟
قد تشهد الشركات المصنعة للسيارات انتقالاً أعمق نحو تصنيع محلي أو شبه محلي (near-shoring) للشرائح أو مكونات السيارات لتقليل الاعتماد على مناطق بعيدة أو ذات مخاطر جيوسياسية أكبر.
قد تشهد السوق تراجعاً في بعض الطرازات أو تأخيراً في إطلاق سيّارات جديدة إذا استمر النقص في الشرائح.
الموردون الذين لديهم البدائل أو يستطيعون التأهيل بسرعة سيحظون بميزة تنافسية كبيرة.
الحكومات قد تشدّد الرقابة على الاستحواذات أو الملكيات الأجنبية في قطاعات التقنية لتفادي السيطرة الأجنبية على سلاسل التوريد المحلية (كما فعلت هولندا مع نكسبيريا)
الخاتمة
أزمة نكسبيريا تؤكد أن دروس أزمة الشرائح في 2020-2021 لم تُستوعب بشكل كافٍ من قبل صناعة السيارات. ما بدا توقف بسيط لم يكن يتوقّع أن يصبح أداة ضغط جيوسياسي أو سبباً لتعطّل خطوط إنتاج عالمية.
هذه الأزمة ليست فقط تقنية أو صناعية، بل ذات بُعد استراتيجي-جيوسياسي، ويجب أن تُعرض كتحذير لجميع الصناعات التي تعتمد على سلاسل توريد عالمية






