أزمة الضمان الاجتماعي في الاردن: استدامة مالية أم تقويض للأمن المعيشي؟
- اسماعيل الكركي
- قبل يومين
- 5 دقيقة قراءة

يشهد الشارع الأردني حاليا واحدة من أعقد الأزمات التشريعية والاجتماعية، إثر إعلان الحكومة عن مسودة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي. هذه التعديلات لا تمس فقط مدخرات 1.5 مليون مشترك، بل ترسم ملامح العقد الاجتماعي الجديد في الأردن للعقود الثلاثة القادمة.
لا يمكن فهم الجدل الدائر اليوم حول مسودة قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026 دون العودة إلى الجذور وإدراك حجم الفجوة بين "الرفاه الاجتماعي" الذي وُعد به الأردنيون في السبعينيات، و"الواقع الانكماشي" الذي تفرضه الحسابات الاكتوارية اليوم
الجذور التاريخية: من "السخاء" إلى "التقشف"
تأسست المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بموجب القانون رقم (30) لسنة 1978، وكان الهدف حينها خلق شبكة أمان تشجع الأردنيين على العمل في القطاع الخاص بدلاً من التهاتف على الوظائف الحكومية.
مرحلة التأسيس تميزت القوانين بسخاء مفرط في احتساب الرواتب وسهولة الخروج للتقاعد المبكر (عند سن 45 أحياناً)، وهو ما أسس لـ "ثقافة التقاعد المبكر" التي تستنزف الصندوق اليوم.
مرحلة التحذير (2010-2014): بدأت الدراسات الاكتوارية تظهر بوادر العجز، فتم رفع نسب الاشتراكات وتقييد الحسبة التقاعدية، لكنها ظلت حلولاً "تجميلية" لم تعالج أصل المشكلة.
مرحلة الأزمة (2026): نصل اليوم إلى لحظة الحقيقة؛ حيث لم يعد النمو الاقتصادي كافياً لتغطية الالتزامات المتزايدة لجيل السبعينيات والثمانينيات الذين بدأوا بالخروج الجماعي للتقاعد.
المنطلق التقني: فك شفرة "الدراسة الاكتوارية"
تستند الحكومة في كافة تبريراتها إلى "الدراسة الاكتوارية" العاشرة، والتي أجريت بالتعاون مع منظمة العمل الدولية في عام 2019. لكن الدراسة الحادية عشر هي ما صدمت الجميع بنتائجها حيث انخفضت نقطة التعادل من 2039 الى 2034.
هذه الدراسة هي المحرك الفعلي للأزمة، وتخلص نتائجها إلى:
نقطة التعادل (2034): تشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2034، ستتساوى قيمة الاشتراكات المحصلة مع الرواتب التقاعدية المصروفة، مما يعني توقف "الفائض التأميني".
نزيف التقاعد المبكر: كشفت الدراسة أن متوسط سن التقاعد في الأردن هو 52 عاماً، في حين أن الضمان صُمم ليعطي رواتب عند سن الـ 60. هذا الفارق (8 سنوات) يكلف الصندوق مليارات الدنانير كرواتب غير مخطط لها.
معادلة الحسبة: تعتبر الدراسة أن احتساب الراتب بناءً على متوسط آخر سنتين (كما في القانون الحالي) يشجع على "التلاعب" برفع الرواتب في اللحظات الأخيرة، مما يرهق الصندوق.
لماذا يشكك الخبراء في هذه الدراسة؟
هنا يكمن لبّ الجدل الحالي؛ حيث يرى معارضون (من بينهم مديرون سابقون في الضمان) أن الحكومة تستخدم الدراسة كفزّاعة حيث يبرز الاتي:
تجاهل ديون الحكومة: يرى البعض أن الدراسة تظهر عجزاً لأن الحكومة لا تسدد فوائد الديون (الـ 10.5 مليار) بشكل نقدي دوري، أو لأن العائد على السندات الحكومية أقل من العائد الذي يمكن تحقيقه في مشاريع إنتاجية.
التهرب التأميني: بدلاً من رفع سن التقاعد، يطالب الخبراء بمعالجة "التهرب التأميني" (الشركات التي لا تسجل موظفيها)، حيث تقدر الدراسات أن هناك مئات الآلاف من العمال خارج المظلة، ودخولهم كفيل بتأخير نقطة التعادل المالي لسنوات طويلة.
الاستثمار العقاري والراكد: هناك انتقاد بأن أموال الضمان "مركونة" في أراضٍ وعقارات غير مدرة للدخل السريع، ولو تم تسييلها أو استثمارها بذكاء لما احتجنا لرفع سن التقاعد.
البنود المثيرة للجدل في مشروع القانون
البند المثير للجدل | القانون الحالي (2014) | مسودة 2026 المقترحة | الأثر المتوقع |
سن التقاعد | 60 للذكر / 55 للأنثى | 65 للذكر / 60 للأنثى | تأخير صرف الرواتب لـ 5 سنوات إضافية |
قاعدة احتساب الراتب | متوسط آخر 24 شهر | متوسط آخر 60 شهر | انخفاض قيمة الرواتب التقاعدية بنسبة 10-15% |
التقاعد المبكر | متاح بشروط مرنة | إلغاء شبه تام أو تشديد قسري | إجبار الموظفين على البقاء في سوق العمل |
الحوكمة | مدير عام ومجلس إدارة | "محافظ" وصلاحيات مركزية | مخاوف من تسييس القرار الاستثماري |
لماذا "الحل الأصعب" مباشرة؟ (فلسفة الصدمة)
يتساءل الكثيرون: لماذا لم تتدرج الحكومة في رفع سن التقاعد بدلاً من القفز لسن الـ 65؟ الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل "خفية"
أولا: الفجوة بين الاشتراكات والرواتب: اقتربت المؤسسة من نقطة "التعادل الصفرية" (التي كان مخططاً لها في 2034) بشكل أسرع نتيجة الأزمات الاقتصادية وتراجع معدلات التوظيف، مما جعل الحكومة تشعر أن "التدرج" لم يعد يسعف الوقت.
ثانيا: ضغط المديونية العامة: الدولة مدينة للضمان بأكثر من 10.5 مليار دينار. "تخفيف" التزامات الضمان تجاه المواطنين (عن طريق رفع السن وتقليل الرواتب) يقلل الضغط على الصندوق، وبالتالي يقلل من احتمالية مطالبة الصندوق للحكومة بسداد ديونها بشكل عاجل.
ثالثا: توصيات الجهات الدولية: تضغط مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي باتجاه "إصلاحات هيكلية" في أنظمة التقاعد لضمان عدم انهيار المالية العامة للدولة، وغالباً ما تميل هذه المؤسسات للحلول الحادة لضمان استدامة بعيدة المدى.
تفصيل تقني: "فخ الـ 60 شهراً" و"المحافظ"
تغيير قاعدة الاحتساب: الانتقال من متوسط آخر سنتين إلى آخر 5 سنوات ليس مجرد تغيير فني. الموظف عادة ما يحصل على أكبر زيادات في آخر عامين من خدمته؛ وبإقحام سنوات أقدم (ذات رواتب أقل) في الحسبة، ينخفض الراتب التقاعدي النهائي بنسبة تتراوح بين 12% إلى 18%.
منصب "المحافظ": هذا التغيير يحول الضمان من مؤسسة "تأمينية مستقلة" إلى "ذراع مالي" يسهل التحكم به. المحافظ عادة ما يكون مرتبطاً بالسلطة التنفيذية أكثر من ارتباط المدير العام التقليدي بمجلس الإدارة الثلاثي (حكومة، عمال، أصحاب عمل).
المعضلة المالية: لغز الـ 10.5 مليار دينار
لا يمكن فصل الجدل حول القانون عن العلاقة المالية بين الحكومة وصندوق استثمار أموال الضمان حيث تجاوزت ديون الحكومة للصندوق حاجز الـ 10.5 مليار دينار، معظمها في شكل سندات خزينة.
وجهة نظر المعارضة: يرى الخبراء أن الحكومة "تهرب للأمام"؛ فبدلاً من تحفيز الاقتصاد لزيادة المشتركين أو سداد ديونها للصندوق بفوائد تجارية، تلجأ لتعديل القانون لتقليل نفقات الصندوق على حساب المواطن.
وجهة نظر الحكومة: تؤكد أن هذه السندات هي "الاستثمار الأكثر أماناً" في الأردن، وأن التعديلات ضرورية بغض النظر عن حجم المديونية لضمان بقاء الصندوق للأجيال القادمة.
الحلول البديلة (المسار المنسي)
يرى خبراء اقتصاد ونقابيون أن هناك حلولاً أقل إيلاماً لم تطرقها الحكومة بجدية:
الحل المقترح | الآلية | الأثر المتوقع |
مكافحة التهرب التأميني | إجبار الشركات الصغيرة والمتوسطة على تسجيل كافة موظفيها. | زيادة الإيرادات بنسبة لا تقل عن 20%. |
تنويع الاستثمار | الخروج من عباءة "سندات الخزينة" إلى مشاريع إنتاجية (طاقة، تعدين) ذات عائد أعلى من 7%. | تقليل الاعتماد على الاشتراكات لسداد الرواتب. |
ضريبة الرواتب المرتفعة | فرض ضريبة "تضامن" على الرواتب التقاعدية التي تتجاوز 3000 دينار. | توفير سيولة لدعم الرواتب المتدنية دون رفع سن التقاعد. |
إدماج الاقتصاد غير الرسمي | تقديم حوافز للعمالة الحرة لتسجيل أنفسهم | ضخ دماء جديدة في الصندوق من جيل الشباب. |
السيناريوهات المتوقعة:
التراجع الجزئي: سحب مشروع القانون وإعادة صياغة "سن التقاعد" ليكون الرفع تدريجياً بشكل أكبر (على مدار 10 سنوات).
المواجهة النيابية: قيام مجلس النواب برد القانون جملة وتفصيلاً لامتصاص الغضب الشعبي قبل الانتخابات القادمة.
التمرير القسري: إقرار القانون مع تعديلات طفيفة، وهو ما قد يؤدي إلى احتجاجات واسعة بتوقيت حرج سياسيا محليا وحتى اقليميا
الخلاصة: الخطر الاجتماعي
الحل "الأصعب" الذي اختارته الحكومة (رفع السن لـ 65) قد يحل مشكلة الأرقام في الدفاتر الاكتوارية، لكنه يخلق "قنبلة موقوتة" في الشارع. بقاء كبار السن في وظائفهم قسراً يعني:
انسداد الأفق أمام الخريجين الجدد.
انخفاض الإنتاجية في المهن التي تتطلب مجهوداً بدنياً.
تآكل الطبقة الوسطى التي تعتمد على الراتب التقاعدي كصمام أمان أخير.
الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف على أرقام، بل هي "أزمة ثقة". الشارع يرفض القانون ليس فقط بسبب رفع السن، بل لأنه يرى فيه "جباية تأمينية" لتغطية عثرات مالية عامة.
مقارنة مع السعودية ومصر




