الصين تُغرق العالم بسيارات البنزين التي لم تعد تُباع داخلها
كيف ولماذا؟ وما الذي يحدث وراء الكواليس؟

شهدت الصين خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في سوق السيارات: فمع الصعود السريع للسيارات الكهربائية وتوسع شبكة الشحن، تراجع الطلب المحلي على سيارات البنزين بشكل لم يسبق له مثيل. هذه التحولات لم تترك لشركات السيارات خيارًا سوى إعادة توجيه فائض الإنتاج الضخم نحو الأسواق الخارجية ما أدى إلى تدفق ملايين السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي إلى العالم.
هذه الظاهرة ليست مجرد قرار تصديري، بل هي نتيجة مزيج معقد من السياسات الحكومية، وفائض القدرة الإنتاجية، وتغير السلوك الاستهلاكي، ورغبة الصين في إعادة تشكيل موقعها العالمي في صناع ة السيارات
أولًا: ماذا حدث داخل الصين؟ انهيار سوق البنزين وصعود الكهرباء خلال الاربعة سنين الماضية
تراجع محلي غير مسبوق
انهارت مبيعات سيارات البنزين في الصين خلال الأعوام الأخيرة، بعد أن أصبحت السيارات الكهربائية والسيارات الهجينة المسيطرة هناك.
رغم امتلاك المصانع الصينية قدرة إنتاجية تتجاوز 20 مليون سيارة بنزين سنويًا، إلا أن الطلب المحلي بات غير قادر على استيعابها.
فائض إنتاج ضخم
المصانع بُنيت على افتراض أن سيارات البنزين ستظل مسيطرة حتى اواسط العقد المقبل، لكن ثورة السيارات الكهربائية جاءت أسرع بكثير. ومع ما يمكن تسميته انفجار مبيعاتها، أصبحت آلاف السيارات البنزين راكدة في المخازن.
استراتيجية تصدير قسرية
أمام هذا الانهيار، وجدت الشركات نفسها أمام خيارين:
إغلاق خطوط إنتاج (بتكلفة اقتصادية واجتماعية ضخمة)
أو تصدير الفائض بأي وسيلة حتى لو بأسعار مخفضة
فاختارت الحل الثاني.
ثانيًا: التصدير كمنقذ… إلى أين ذهبت سيارات البنزين؟
تضخم غير مسبوق في الصادرات
منذ 2020، شكلت سيارات البنزين أكثر من 76% من إجمالي صادرات السيارات الصينية.
قفز عدد السيارات المُصدّرة من 1 مليون إلى أكثر من 6.8 مليون سيارة سنويًا.
ال أسواق المستهدفة
تتجه سيارات البنزين الصينية نحو أسواق:
أمريكا اللاتينية
شرق أوروبا
أفريقيا
جنوب شرق آسيا
وسبب الانتشار في هذه المناطق هو انها لا تمتلك بنية تحتية كافية للسيارات الكهربائية.
توسع في أوروبا أيضًا
دخلت علامات صينية تعمل بمحركات بنزين مثل هافال، شيري، ودونغ فينغو إلى أسواق أوروبية خصوصًا شرق ووسط أوروبا حيث السعر ال منخفض عامل حاسم في تعزيز مبيعاتها هناك.


ثالثًا: لماذا تعتمد الصين على هذه السياسة؟
فائض طاقة إنتاجية يجب التخلص منه
المصانع الضخمة التي بُنيت في العقد الماضي لا يمكن إيقافها بسهولة.الحل الوحيد: التصدير لتخفيف الضغط الداخلي.
سياسات حكومية تدفع نحو السيارات الكهربائية
الحكومة كانت توفر حوافز ضخمة للسيارات الكهربائية، وتفرض قيودًا على سيارات البنزين، مثل:
الامتيازات في ترخيص لوحات EV
الضرائب المخفضة
دعم الشحن
خطط إحلال السيارات القديمة
وبالتالي كان المستهلك الصيني يهرب من محركات البنزين ويتجه نحو السيارات الكهربائية
الإبقاء على الوظائف وتشغيل المصانع
إغلاق خطوط إنتاج البنزين يعني خسائر عمالية وصناعية هائلة.لذا تتجه الصناعة نحو تصدير الفائض بدل الإغلاق.
ميزة السعر
السيارات الصينية أرخص من الأوروبية واليابانية خصوصًا في الفئات الاقتصادية والمتوسطة مما جعلها جذابة في الأسواق النامية حتى لو لم تعد مرغوبة داخل الصين.
رابعًا: مخاطر هذا التوسع على المستهلكين والدول المستوردة
رسوم جمركية أوروبية وأميركية
بعض الدول فرضت تعريفات لحماية صناعتها من “الإغراق” الصيني.
جودة التصنيع وخدمات ما بعد البيع
في أسواق ضعيفة البنية التحتية أو دون وكيل رسمي، قد تكون التجربة سلبية بسبب:
غياب الصيانة
نقص قطع الغيار
ضعف الضمان
التحدي البيئي
تدفّق سيارات البنزين إلى الأسواق النامية يعاكس الجهود العالمية لتقليل الانبعاثات.
الحرب السعرية
التسعير غير العقلاني” في سوق السيارات ادى الى قيام الشركات بخفض هامش الربح وبالتالي خفض الاسعار
السماح أو "تشجيع" انسحاب العلامات الضعيفة حيث من المتوقع اختفاء العديد من العلامات الصغيرة لصالح اندماجات أو استحواذات.
🌍 سادسًا: ماذا يعني هذا للعالم العربي — وخاصة الأردن؟
أسعار منخفضة ستجذب المستهلك
سيارات البنزين الصينية قد تدخل بأسعار مغرية، تنافس:
كوريا
اليابان
أوروبا
خصوصًا في الفئة الاقتصادية والمتوسطة.
في الأردن تحديدًا
مع خفض الرسوم على سيارات البنزين، تصبح هذه السيارات خيارًا جذابًا جدًا.لكن يجب الانتباه إلى:
وجود وكيل رسمي
توفر قطع غيار
جودة التصنيع
قوة الضمان
ضغط على السوق التقليدي
قد يؤدي تدفق السيارات الصينية إلى:
انخفاض أسعار السيارات الكورية واليابانية
تغيّر خريطة المنافسة
دخول علامات جديدة إلى ا لسوق الأردني لأول مرة
الخلاصة: هل هو انتصار صيني أم تهديد عالمي؟
الصين تعيد كتابة قواعد اللعبة في سوق السيارات، فهي اليوم:
قوة عالمية في السيارات الكهربائية
مصدر رئيسي لسيارات البنزين التي لم يعد يريدها سوقها المحلي
هذا النموذج الصناعي يعكس:
ذكاء صيني في إدارة الفائض
لكنه يشكل تحديًا للصناعات الأخرى
وقد يغير قواعد المنافسة في الأسواق النامية والمتقدمة على حدّ سواء
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل العالم يستفيد من السيارات الصينية الرخيصة… أم أنه يفتح الباب أمام اعتماد طويل المدى على صناعة قد تغيّر توازنات السوق والجودة والبيئة؟



