top of page

سيارات "كي" في أميركا: هل يقدّم ترمب حلًا اقتصاديًا… أم شعارًا انتخابيًا جديدًا؟

بين منطق السوق ومنطق الخطاب

نيسان "ساكورا" من فئة Kei ومتوفرة كهربائيا
نيسان "ساكورا" من فئة Kei ومتوفرة كهربائيا

عندما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب فكرة إدخال سيارات “كي” اليابانية الصغيرة إلى السوق الأميركية، بدا وكأنه يمسك بخيط ذكي في نقاش أوسع حول غلاء المعيشة وانفلات أسعار السيارات. الفكرة، في ظاهرها، بسيطة ومغرية: سيارات صغيرة، رخيصة، واقتصادية. لكن عند تفكيكها بعيدًا عن الخطاب السياسي، تتضح صورة أكثر تعقيدًا — وأقل تفاؤلًا.


بين منطق السوق ومنطق الخطاب

ترمب لطالما قدّم نفسه كرئيس "ضد التعقيد"، وضد ما يسميه النخبوية التنظيمية.

من هذا المنطلق، تأتي إشادته بسيارات "كي" كنموذج لـ(البساطة التي نجحت". غير أن نجاح سيارات كي في اليابان لم يكن نتيجة السوق الحرة وحدها، بل نتاج منظومة تنظيمية كاملة صُممت خصيصًا لها: إعفاءات ضريبية، قوانين خاصة، وبنية حضرية مختلفة جذريًا عن الولايات المتحدة.


"نقل النموذج دون نقل شروطه، هو أقرب إلى تبسيط سياسي ساذج"


التناقض الجوهري في الخطة

المفارقة الأساسية في طرح ترمب أنه يريد:

  • سيارات رخيصة

  • تُصنّع داخل الولايات المتحدة

  • وتخضع لمعايير السلامة الأميركية الكاملة

وهذه المعادلة، اقتصاديًا، شبه مستحيلة، فالتكلفة العالية للأجور، والامتثال التنظيمي الصارم، وسلاسل التوريد المعقدة، ستجعل من أي “سيارة كي أميركية” منتجًا فاقدًا لهويته الأصلية، وسعره أقرب إلى السيارات المدمجة التقليدية.


السلامة: نقطة الصدام الكبرى

لا يمكن تجاهل أن سيارات "كي" مصممة لمدن مكتظة وسرعات منخفضة. إدخالها إلى طرق أميركية سريعة، مليئة بالشاحنات الضخمة، يفرض سؤالًا جوهريًا:هل تقبل الولايات المتحدة بتخفيف معايير السلامة من أجل السعر؟

إذا كانت الإجابة "لا" — وهو الأرجح سياسيًا — فإن الكلفة سترتفع.وإذا كانت "نعم" — فسيكون القرار عالي المخاطر سياسيًا وأخلاقيًا.


 

البعد الحمائي في فكر ترمب

رغم تقديم الفكرة كحل للمستهلك، إلا أنها تنسجم مع نهج ترمب المعروف:

  • تفضيل التصنيع المحلي

  • التحفظ تجاه الاستيراد المباشر

  • استخدام الرسوم الجمركية كأداة سياسية

وهذا يعقّد الحل بدل تبسيطه. فالخيار الأرخص فعليًا هو السماح باستيراد سيارات كي كما هي، لكن هذا يتناقض مع الخطاب الحمائي الذي يشكل جوهر مشروع ترمب الاقتصادي.


هل الأميركيون يريدونها فعلًا؟

حتى لو تم تجاوز العقبات التنظيمية، يبقى السؤال الأهم:


هل سيشتري الأميركيون سيارات شديدة الصغر؟   


السوق والمجتمع الأميركي لطالما احب:

  • الحجم الأكبر

  • الإحساس بالقوة

  • والراحة على حساب السعر

بالتالي تغيير هذا السلوك لا يتم بقرار سياسي، بل بتحول ثقافي طويل الأمد.


مقارنة بين سيارة "كي" وسيارات تقليدية يظهر حجمها الفعلي
مقارنة بين سيارة "كي" وسيارات تقليدية يظهر حجمها الفعلي

تحديات المضي في الفكرة:

التحدي الأول: التصنيع داخل الولايات المتحدة

أحد أهم إشكاليات الخطة أن ترمب يريد تصنيع سيارات "كي" داخل أميركا بدل استيرادها مباشرة.

وهنا تكمن المفارقة:

  • تكاليف العمالة الأميركية أعلى بكثير من اليابان

  • سلاسل التوريد الأميركية غير مصممة لإنتاج سيارات بهذه البساطة

  • أي إنتاج محلي سيفقد سيارات “كي” ميزتها الأساسية: السعر المنخفض

 

 التحدي الثاني: معايير السلامة الأميركية

الولايات المتحدة تفرض معايير صارمة للسلامة (FMVSS)، تشمل:

·         اختبارات تصادم معقدة

·         وسائد هوائية متعددة

·         أنظمة أمان إلكترونية متقدمة


سيارات “كي” في شكلها الأصلي لا تلبي هذه المتطلبات، وإعادة تصميمها لتتوافق مع القوانين الأميركية قد ترفع سعرها إلى مستوى يقارب السيارات الصغيرة التقليدية، ما يلغي سبب وجودها أساسًا.

التحدي الثالث: الرسوم الجمركية

حتى في حال السماح بالاستيراد، فإن:

  • الرسوم الجمركية

  • ضريبة “Chicken Tax” على الشاحنات الخفيفة قد تجعل سيارات “كي”، خاصة الشاحنات الصغيرة منها، غير منافسة سعريًا.

 

 خلاصة الموضوع: فكرة ذكية… لكنها غير مكتملة

طرح ترمب لسيارات “كي” قد ينجح في:

  • تسليط الضوء على أزمة حقيقية

  • تقديم بديل خارج المألوف

  • جذب انتباه إعلامي واسع

لكنه يفشل — حتى الآن — في تقديم خريطة طريق واقعية.وبين ما هو ممكن اقتصاديًا، وما هو مرغوب سياسيًا، تبدو سيارات “كي” في أميركا أقرب إلى أداة خطابية انتخابية منها إلى سياسة صناعية قابلة للتنفيذ.


jordan reports

Jordan Reports

Editor

Ismail Karaki

www.jordan reports.net

All Rights reserved 2026

  • Linkedin
  • Instagram
  • Facebook
bottom of page