عندما تملأ الخوارزميات الفراغ

قسم التحرير
٢٨ كانون الأول ٢٠٢٥
كيف يغزو “AI Slop” منصات التواصل الاجتماعي ويعيد تشكيل الإنترنت
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر في صناعة المحتوى، بل إلى أي حدّ سيعيد تعريف ما نراه، وما لا نراه، على الإنترنت.
أحدث الدراسات حول يوتيوب تكشف رقمًا صادمًا: أكثر من خُمس الفيديوهات التي تُعرض على المستخدمين الجدد هي محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي منخفض الجودة، يُعرف اصطلاحًا باسم AI Slop.
هذا ليس تفصيلًا تقنيًا، بل تحوّل بنيوي يمسّ جوهر الاقتصاد الرقمي، والثقافة، والانتباه البشري.
ما هو “AI Slop” ولماذا ينتشر؟
يشير المصطلح إلى محتوى يُنتج بكثافة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بأقل تك لفة ممكنة، وبأقصى قابلية للانتشار.لا يهدف هذا المحتوى إلى الإبداع أو المعرفة، بل إلى تحقيق شروط الخوارزمية: نقر سريع، مشاهدة متواصلة، وإثارة فورية.
الفيديو هنا ليس رسالة، بل وحدة اختبار:
عنوان مبالغ فيه
صورة مصغّرة صادمة
صوت اصطناعي
سرد سطحي أو عبثي
وتكرار لا نهائي للفكرة نفسها
والنتيجة؟ فيديوهات “تعمل” خوارزميًا حتى لو كانت فار غة معنويًا.
لماذا المستخدم الجديد هو الضحية الأولى؟
عندما ينشئ شخص حسابًا جديدًا على يوتيوب، لا تملك المنصة عنه أي بيانات. في هذه الحالة، تلجأ الخوارزمية إلى ما تسميه “الرهان الآمن”: المحتوى الذي أثبت قدرته على جذب الانتباه بسرعة.
هنا يتفوّق AI Slop لأنه:
لا يحتاج سياقًا
لا يتطلب معرفة مسبقة
ويكافئ الفضول السريع لا التفكير
بمعنى آخر، الخوارزمية لا تسيء النية، لكنها تكافئ ما يمكن قياسه بسهولة.
من الهواية إلى الصناعة: اقتصاد السلوب
المقلق ليس وجود هذا النوع من المحتوى، بل تحوّله إلى نموذج عمل:
مزارع قنوات تنتج مئات الفيديوهات أسبوعيًا
نفس القالب، نفس الصوت، نفس الفكرة
جمهور عالمي، خصوصًا في الدول ذات الاستهلاك العالي للمحتوى القصير
الربح هنا لا يأتي من الجودة، بل من الكمية.ليس مهمًا أن ينجح كل فيديو، بل أن ينجح بعضها ضمن طوفان الإنتاج.
وهكذا، يدخل المحتوى في منطق يشبه “الوجبات السريعة”:مشبع لحظيًا، فقير غذائيًا.

التأثيرات العميقة: أكثر من مجرد محتوى سيئ
1. تدهور اكتشاف المحتوى الجيد
المبدعون الحقيقيون — خصوصًا الجدد — يجدون أنفسهم في منافسة غير عادلة مع إنتاج آلي لا يكلّ ولا يتعب.
2. تآكل الانتباه
الاعتياد على محتوى سريع، عبثي، ومتكرر يغيّر طريقة التلقي، ويجعل المحتوى العميق “بطيئًا” أو “مملًا”.
3. مخاطر على الأطفال
جزء كبير من هذا المحتوى يبدو بريئًا أو طفوليًا، لكنه مصمم لإبقاء الطفل في حلقة مشاهدة لا تنتهي، دون قيمة تعليمية أو إنسانية.
4. تلوث معلوماتي
عندما يصبح التمييز بين الحقيقي والمصطنع صعبًا، تتآكل الثقة، وتصبح بيئة التضليل أكثر خصوبة.

هل منصات التواصل عاجزة؟
ليس تمامًا. المنصات بدأت بالفعل بتشديد سياسات تحقيق الدخل ضد المحتوى “غير الأصيل” أو “المُنتج بكثافة”.لكن المشكلة أعمق من سياسة:
كيف نعرّف “الأصالة” في عصر الذكاء الاصطناعي؟
هل استخدام AI أداة إبداع أم خط إنتاج؟
وكيف نوازن بين عدم ظلم المبدعين، ومنع استغلال الخوارزمية؟
ما الذي نحتاجه فعلًا؟
من المنصات:
إعادة التفكير في توصيات الحسابات الجديدة
تقليل مكافأة التشابه والتكرار
إدخال مؤشرات جودة طويلة الأمد، لا لحظية فقط
من المعلنين:
ربط الإعلانات بسلامة المحتوى لا بعدد المشاهدات فقط
من المستخدمين:
استخدام أدوات “عدم الاهتمام” و“عدم التوصية”
دعم القنوات الجادة مبكرًا
الوعي بأن كل نقرة هي إشارة للخوارزمية
الخلاصة: معركة على شكل الإنترنت القادم
قضية AI Slop ليست معركة ضد الذكاء الاصطناعي، بل ضد اختزال الإبداع إلى أرقام، وضد ترك تصميم المنصات يقود الثقافة بدل خدمتها.
إذا استمر الاتجاه الحالي، قد يصبح الإنترنت مكانًا مليئًا بالمحتوى… وفقيرًا بالمعنى.
أما إذا أُعيد ضبط البوصلة، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة تضخيم للإبداع، لا بديلًا عنه.
السؤال المفتوح ليس: هل سينتشر هذا المحتوى؟ بل: هل سنسمح له أن يعرّف ما نراه؟



